تاريخ النشر : 18 فبراير 2017 03:05 م

 

غرقٌ مُنتشٍ في بحر الكونياك ..!

رشا محمد*

 

 

 

 

سأبيع ليلتي هذه للشيطان مقابل الإبحارنحو أعماقي و اكتشاف دهاليز روحي السرية ..!

مادام كل شيء في حياتنا مكرس لتخديرنا لماذالا نجرب الصحو ولو لمرة واحدة ولنوقظ أصواتنا الداخلية المنومة حتى ثمالة الإغماء..!

الليل طويل .. طويل و لا متناهي النزف،النجوم بلا أضواء، و القمر ستارة رعب مسدلة فوق الاحتضار والريح تتسكع في الشوارع مغسولةبالخوف تنتظر حبيبها الأمان وهي تعرف مسبقاً أنه لن يأتي ..

الساعة تشير إلى لحظة عناق عقاربها

وأصابعي تعانق زجاجة الكونياك عناق لذيذحتى الثمالة ..

أرتشف ربع الكاس فتشب النار في داخلي، وبدأ كل ما في أعماقي يشتعل ويضيئ لي الدرب نحو الداخل

لأتابع رحلتي داخل مغاور روحي ..

ما أجمل ما أشعر به الآن أشعر بالانتعاشوالرغبة في الرقص والغناء ..

أغمض عيني منصتة إلى أم كلثوم وهي تغني" هذه ليلتي "

أشعر معها بالهدوء والسلام

فصوتها امتداد الجسد بين الوعي واللاوعيبين حنان الذاكرة وحنان الممكن ..

أبحر في دفء صوتها وأتلاشى

رويداً .. رويداً

أذوب مع اللحن و أستحيل إلى مجرد أنغام..

وكأن هذه الأغنية كانت معدة خصيصاً لمثلهذا النوع من الكونياك !

أقطع الاتصال بالعالم الخارجي ماعدا ورقةوقلم لأسجل كل ما سيحدث لي في العالم الداخلي

الذي أحاول في رحلتي هذه أن أطاله كي أعيشحقيقتي دون أقنعة،

أرتشف كأس أخر فينهمر في داخلي شلال منقوس قزح زاهي الألوان ينبض بالحياة ما أروع تناغم للألوان تنتابني موجات هادئه من الدفءوالسلام لو يدخل كل معذبي الأرض إلى أعماقي في هذه اللحظه لنسوا آلامهم و أوجاعهم..

يمضي الوقت سريعاً وأنا في ذروة الموجةلا أريد أن يزول مفعول الخمرة

وعبثاً أشد أصابعي عليه لامتلاكه لكنه ينزلقهارباً من بينهما !

أرتشف الكونياك دفعة واحدة فتستحيل أعماقيإلى لهبة نار

وأنا أحترق ..

وبرغم الألم سأسلم نفسي كلياً للتجربة ولنأستسلم فالأمر ساحر رغم الألم

تضيئ النجوم كالألعاب النارية والقمر ساطعالعذوبة والحنان وأنا حبة رمل مرمية على الشاطئ تأتي موجة فتعلوا بي إلى الذروة وأطير

ما تلبث أن تنحسر الموجة فيتدفق الدم حارفي عروقي وصدري ويعاودني ذلك الألم في أحشائي ..

أحاول أن أستجمع قواي برغم الألم ثم أفاجأبموجة عالية ترفعني وتقذف بي إلى جزيرة النسيان المغسولة برائحة الياسمين،

فتزهر ذاكرتي بالوزال

و يسري الكونياك في عروقي على إيقاع صاخبللضحك والفرح

يعزف فيها قلبي على أوتار النسيان

لأنسى " أ .ن .س .ى " ...!

فتعاودني موجة النار وأتلوى ألماً وعذاباًوأنطوي على الجرح،

 

كم أنا ثملة ومنهكة لا أقوى على مواجهةالموج والسباحة،

تغمرني موجة أشد وأعنف من سابقتها فاغرق

فتمد لي الصداقة بطوق النجاة

فأتمسك بها،

ثم أكتشف إنها فخ مصنوع بإتقان لذلك حيننسقط فيه يكون السقوط موجعاً

فوجدتني أصرخ بملء صوتي لا للصداقات المزيفةلا للأقنعة الملونة لن أسقط لن " أ .س .ق .ط " ...!

ووعيت أن الصداقات التي لا نحسن اختيارهابدقة وحذر تصير وجعاً حاداً وشرساً،

كم أنا وحيدة وثملة وأتقيا بوجع

يشتد الألم مع سماع الأصوات

كم تخيفني الأصوات البشرية

كم أتوق إلى الصمت حتى الأصوات تؤلمني أشعربموجة ألم حاد جداً لماذا لا يتوقفون عن الكلام ولو لحظة واحدة ويستمعون إلى صوت اعماقهم

تأتي الموجة تعلو وتغمرني وتبحر بي إلىالقاع فأدخل محارة الصمت و أتدثر بها ..

الساعة تشير إلى منتصف الليل

راسي ثقيل .. ثقيل ..

و أشعر أنني عاجزه عن الكتابة يبدو أن مفعولالخمرة بدأ يسري في عروقي ويشل أعصابي الكتابة جنوني الخاص أما في هذه اللحظه أحس الكتابةتعذيباً ينزلق القلم من بين تنهدات أصابعي كما تنزلق قطرات المطر عن الزجاج و أنهارعلى الورقة

جسدي قارب أنهكته الأمواج المتلاحقة ..

تهب موجة نسيم باردة في الغرفة

أشعر بالبرد أحاول النهوض لإغلاق النافذةتسقط زجاجة الكونياك من يدي وتتناثر كبلورات الثلج ..!

وأسقط أنا على الأرض أحاول النهوض ثانيةو أسقط وثالثة و أسقط

وأتذكر أنني لازلت تحت تأثير الخمرة

لا أستطيع الوقوف على قدماي وكأنني أسكنغرفة في قلب الزلزال، أشعر بالدوار و كل ما حولي ينهار

يبدو أنني شربت كميه من الكونياك أكثر ممايجب

أنا البرية المفترسة أجد نفسي بريئة ووديعةو أحس بالحاجة إلى أن يضمني أحد أن يضمني

يضمني .. يضمني ...،

فتغمرني موجة مرهفة العذوبة والحنان فاستلقىمسترخية على كتاب البحر أقلب صفحاتة موجة أثر أخرى و أقرأه بطريقة بريل أتحسس الكلماتمغمضة العينين فيرشدني إلى مرفأ الدهشة حيث الداخل مفقود والخارج مفقود والجنون مولود

أمعن الإبحار في سطوره

فيذوب الحبر من الكلمات

ويسيل على الورقة ..!

 

شاعرة وقاصة من اليمن