تختلف الرواية من حيث أنها هي حدث تم، عن القصة القصيرة والمسرحية والقصيدة
  تاريخ النشر : 24 فبراير 2017 06:54 م

الروايةوالزمن والحلم والالتزام

حنا مينا

 

تختلف الرواية من حيث هي حدث تم ، عن القصة القصيرة والمسرحيةوالقصيدة . بل إن المسرحية ، وهي تستمد حادثها من الماضي القريب أو البعيد ، تكادتكون رواية ( وهي رواية من ناحية الجنس الأدبي ) فيما يتعلق بالزمن ، وتقوم عمليةالتدوير، في الطرح الفني، ، سواء في الرواية أو المسرحية ، بتقديم الماضي علىالحاضر ، ثم تعود بهذا الحاضر إلى ماضيه ، لتعود، من ثم ، إلى الحاضر ، في لعبةكسر الزمن التي غدت من مقومات الصنعة الفنية في عصرنا .

ولقد قلت ،سابقاً ، إن المستقبل هو نقطة وصول لحركة الحاضر، أو هوحاضر يتحرك إلى مستقبل ، في غير ما فصل ، في الزمن الأدبي ، بين الآتي أو القائم ؛لأن الصيرورة ذات علاقة  ،أدبياً ، بينطرفين للزمن ، ليس الحاضر فيه إلا نقطة انطفاء ، نقطة مرور ، لانكاد نلامسها حتىتنزلق ، فإذ نحن في اللحظة الحاضرة نفسها ، في نقطة ماضٍ ، حتى كأن الحاضر ، فيالإبداع ليس ،زمناً ، أو أنه زمن معنوي ، قباسي ، ثم لا يكون له ، في الواقع ، ذلكالحضور الذي للبعدين : الماضي والمستقبل .

من أجل ذلك يرتكب النقاد خطأً حين يتوهمون ، ويوهمون القارئ  ، أن هناك زمناً اسمه حاضر نكتب عنه . كل ما فيالأمر أن هناك ماضياً ، يحمل إضافته إلى الحاضر ، فنتوهم أنه حاضر ، ويحمل إضافتهإلى المستقبل ، الذي سيصير حاضراً بدوره ، يحيا في الأدب بالإضافة التي يحملهاوليس بشيءٍ آخر .

إننا لا نستطيع أن نكتب عن وجبة الإفطار ونحن نتناولها ، فإذا فعلناذلك بعدها ، كانت هي ،بحادثتها، قد مضت .

وكذلك لا نستطيع أن نكتب عن واقعة حب ونحن نمارسها ، وإذا فعلنا بعدها، تكون قد مضت ، وتبقى في الحالين الإضافة ، ومقدار صلاحيتها ، من حيث هي امتدادوتعميم فني ، لأن تكون زمناً ممتداً ، معمماً ؛ أي زمناً لاينتهي بانتهاء ساعته ؛بل يعيش الساعات والنهارات المقبلة ؛ ولهذا قيل عن الأدب أنه ابن عصره ، ولم يقلأحد أنه ابن ساعته ، أو يومه ،أو عامه ، وفي هذا تكمن حقيقة الحياة التي تحمل ، فيذاتها قيمة لها بعدها ، في الشعر والقصة والرواية ، خاصة الرواية التي تعيش علىحدث ماضٍ حاضر ، أو حدث من الماضي ، له قابلية حياة في الحاضر .

في كل الأحوال  ،يظل تيارالزمن ، السائل بكتلته العمياء ، يمضي بنا إلى أمام بغير توقف ، ويظل ذا قيمة كلفعل نقوم به في الحاضر ، وتكون منه فضلة للمستقبل ، وهو الفعل الاجتماعي ، أوالفعل الخاص الذي يرتبط بالعام ، وبذاك يتمكن ، آنياً ، من التحقق ، لكنه ، فيتحققه هذا ، يرتبط بما كان ، وبما سوف يكون ، وأعني به الكفاح ؛ لأن وجبة الطعام ،وواقعة الحب ، وواقعة السهرة ، وكل هذه الأشياء الخاصة  ، تصبح ذات قيمة ، عندما ترتبط بالعام ، أي تخرجعن دائرتنا ، تخرج عن دائرة الأنا؛ لترتبط بدائرة الآخر ، فتكون لواقعة الحب قصةحب ، وتكون للسهرة علاقة بسهرات ،وهذه بدورها مرتبطة بالحدث الذي كان كانت نقطة أوحلقة في سلسلته . والرواية التي تتشكل من حلقات ، أو من سلسلة كاملة ذات حلقاتعديدة ، لاتنبني على حلقة واحدة ، كالقصيدة التي هي تعبير ارتعاشي عن لحظةالانفعال ، أو كالقصة القصيرة التي هي تعبير محدود عن اللحظة المأزومة ، أو اللحظةاللقطة ، ومن أجل ذلك كانت الرواية ، وستبقى عن زمن مضى ، عن عصر مضى ، وليست عنعام أو عقد من الزمن فقط ، وكل كلام يأخذ على الرواية انتماءها إلى الماضي ، يطيحفي فراغ ، وكل نقد يدين الرواية لأنها ليست بنت الحاضر ، هو نقد لايفهم حركةالوصول ، أو الإضافة الزمنية للحاضر فالمستقبل .

لقد كتبت رواية " زقاق المدق "في حينها ، عن زمن مضى ،هوزمن الاحتلال الانجليزي لمصر ، لكنها تحمل إضافتها لكل زمن حاضر أو مقبل ، مادامصانع العاهات نراه بيننا كل يوم ، والاحتلال في مصر تجدد في لبنان ، وله بقايامستمرة في هذا أو ذاك من البلاد العربية، أو من بلاد العالم ؛ ومادام القوادموجوداً ، وقادراً أن يغير شكله النخاسي ، فيشتري الفتاة بالإغراء ، أو الحاجة ،أو المال ، ويبيعها مع الربح ، بل إنه يُؤثر ربحه حتى على بكارتها كما في زقاق المدق، وبذلك تتجلى مهنة القِوادة، التي هي مهنة لأشياء كثيرة ، من الرشوة ،إلى السمسرة، إلى الوكالة التجارية ، التي غدت وجهاً بشعاً للرأسمالية الطفيلية ،وللكومبرادورية في النصف الثاني من القرن العشرين .

هكذا يغدو الحاضر صالحاً للحلم ،وصالحاً للعمل على أساس هذا الحلم ،حتى يكون تحققه ممكناً ، وعلى هذا الأساس تقوم الخطط الأدبية ، والفنية ،والاجتماعية ، والاقتصادية ، والسياسية ، ويبدأ العمل لأجلها ، ويكون عملاًمتوازناً ، وممكناً وناجحاً ، بقدر ما هو موضوع في ضوء جدلية حياتية ، جدلية ماديةوتاريخية ، وبقدر ما يفهم تفسير الحياة في نور الاقتصاد ، وسلوكيات الناس على أنهاسلوكيات اقتصادية في نهاية المطاف   .

ولقد يكون الحلم ، والالتزام به ، والعمل لأجله ، هو نقطة الانطلاق فيالتصور الفني ، ذلك أن الالتزام ، إذا لم يبن على مفهوم جدلي ، وينهض على حلم ،وعلى معرفة ، وعلى حرية مرفوقة بالحقيقة، وإذا فهم على أنه اعتساف ، أو قسرية ،أوطوعية ، أو صدور عن غير الذات، وغير المزاج ، وغير الاندفاع الوجداني ، يصبحلاغياً، أو قيداً ثقيلاً، معوقاً ، مثبطاً ، خائباً ومخيباً في آن .

 

·        من كتاب( كيف حملت القلم ) لحنا مينا ، الصادر عن دار الآداب ببيروت عام 1986م .