ولا إثم لي غير أني وثقت بأن النهار سيفتح نافذتي إن كتبت على ساعديه القصائد
  تاريخ النشر : 05 مارس 2017 03:23 ص

حارس الليل

علي الدميني

 

                                                                    

 

 

تحت شمسٍ ضبابيةٍ

يجلسُ الليلُ ، متكئاً، ساهراً،

مثلما الليلُ، قــُربي.

يتأمّلُ وجهيْ،

كمن يتعرّف شيئاً فشيئاً على نفسهِ

في الصّوَرْ،

فأرى في خرائط كفيهِ،

ظِلَّ طريقي التي أُتـُّهِمَ العمرُ فيها-¬ طويلاً - و أنجَدْ.

تحت هذا العريشِ

المحنّى بألوانهِ،

يجلسُ الليلُ عندي..

عباءتُه من نجومٍ وعسْجَد

و جبهتهُ من ضياءٍ ومسجدْ.

يتدثّر ثوبَ " عروسٍ من الزنج"،

كي لا يضيءَ فيفنى،

وكي لا يسيلَ على الأرضِ

أو يتبدّدْ.

أُسمّيهِ باسمي إذا ما طـَربتُ،

وأهجوهُ " بالرمز" ،

إما غزا الدهرُ روحي،

وعرْبَدْ.

مصادفةً نلتقي، حينما تبطيء الشمس في نومها

أو تغطّي ضفائرَها بالسُّحُبْ

فأسألهُ أن يكون نديمي

على قدح الشعر في موقدي،

أو يكون غريمي.

على لذعةِ النار ، كان الحديث شهياً كماالجمرُ

إما تفتّح في صدر أنثى

و كالمزن إذ يتراقص فوق السقوفْ.

ـــ "نزلتَ على الرّحْبِ يا صاحبي"،

فاحتسِ القهوةَ الآنَ ، صهباءَ ،لا تشبهُ البنّ إلا قليلا

و دَعْنا نحرّرُ هذا المساءَ من اللغوِ،حتى يلينَ التباسُ الحروفْ.

سجى الليل في حزنهِ ، ثم قال:

ـــ وحيداً أنا أبدَ الدهرِ

لم تكُ لي لغةٌ تتجرأ يوماً

على رسْمِ قُبلهْ

ولا ضحكةٌ تتراقص في خدّ طـِفْلة.

وحيداً ، بلا امرأةٍ تستبيني بأوصافها

فأُجنُّ عليها

بلا امرأةٍ تتشظى لشوقي إليها

بلا فرحٍ في الولادة

أو جزَعٍ في المماتْ.

مللتُ الوقوفَ على طلل الأمكنَةْ

مللتُ احتفاظي بأسرارِكمْ

وسلالاتِ أسلافكمْ

والغبارْ ...

ـــ "هلا بك يا ضيفنا"، و كماستراني هنا واحداً و وحيدْ

أمدُّ يديْ للنجومِ

وألثمُ خدَّ الصِّبا والصبايا بما فاض في السِّـــرِّ من كلماتي،

فيزورُّ عني القريبُ

ويُسرفُ في الشنآنِ – عليَّ - البعيد.

تململَ ضيفي بقرب الوجار ـ طويلاً ـ وأنشَد:

ـــ أنا مَلِكُ السّهوِ، لي نصفُ أوقاتِكمْ

و لي ما يفيضُ عن الصمتِ – بين الخليلين– في قبلةٍ عابرةْ

أمدُّ ظلالي على شجرِ القيضَ أما تحدّرَمنه الأنينْ

وأسفحُ بردي على خلوة العاشقينْ

و أفتحُ للنائمين فصيحَ خيالاتهم

و أغفرُ للشعراءِ ضَلالاتِهم، منذُ ليل امرئ القيسِ

حتى رياحِ الدُّمينيّْ

و لي أن أسائلكُمْ :

أي ظلمٍ تحمّلته من شياطينكم

حين أغدو قريناً – بأشعاركم – للظلام ؟

جَبُنتُمْ عن القول إن الظلامَ من الظلمِ..

ليس الظلامُ من الليلِ ، يا أيها الشعراءُ

الغبار..!!

ـــ تمهّل قليلاً أيا صاحبي، و أتئدْ

يسمّونك الليلَ، حين تغني وحيداً بلا أصدقاءْ

ويُسـْمونني "الليلَ" حين أصيحُ وحيداً،

ليرقصَ من حولي الأصدقاءْ.

و مثلي ومثلـُك من يتقاسمُ سرّ الفلاةِ،

إذا ما تبدّت على مغرب الشمسِ، حسناءَ حسناءْ

هل تعرفُ الحزنَ يا صاحبي - في تفاصيلها- حين تغدو

خلاسيّةُ اللون كالصمتِ،

منسيّةً و وحيدة؟

و يا صاحبي ....

أنا حارسُ الليلِ ، لا ريحَ لي غير قلبي

ولا إثمَ لي غير أني وثِقتُ بأن النهارسيفتح نافذتي،

إن كتبتُ على ساعديه القصائدَ،

مسكونةً بالمجازاتِ ،

والأمنياتِ الطريدةْ.

أنا حارسُ الريحِ والوقتِ، و(الشّنفرى)،و(السُّلَيكْ) ،

فذرني قليلاً، لأغلقَ حقلَ استعاراتِ شِعريْ

وما يتواردُ في قلمي من بهاء الجنون

لكيما أسمّي "الرزايا " بأسمائها،

و أُغنّي مَعَكْ:

بأن الظلامَ من الظلمِ ، يا سيدي

فلتَعـِرْني: قميصَكَ كي تأنسَ الطيرُ ليْ

و وقوفـَك، حتى تراني الجبالُ شبيهاً بها

ثم كُنْ لي نديماً حميماً

و ضيفاً مقيما

لنشعلَ ساعاتِنا بالأنينِ

و أوهامَنا بالجراحِ الجديدةْ.

.....

.....

تحت شمسٍ ترتّبُ أغصانَها للمنامْ

يقفُ الليلُ مشتملاً بعباءتهِ، قربَ وقتي

ويكسرُ بين يديهِ مجازَ اللغاتْ.

أمدُّ يديَ إلى ظلّهِ

فيبارحني

ناشراً ريشَهُ في أقاصي الجهاتْ

بلا رايةٍ للوداعِ

ولا وردةٍ للعتاب الأخيرْ!

 

*شاعر حداثي من السعودية

القصيدة من مجموعة " خرز الليل "