عطر الكاليتوس
  تاريخ النشر : 07 مارس 2017 09:03 ص

عطر الكاليتوس

فائزة مصطفى*

 

 

بدأ الغيثُ يلامسُ وجهَ الأرضِ الملوّحبشمسِ الصّيف الحارِقة، وتسرَّب إلى أنوفِنا عطرُ أوراق الكاليتوس المبخَّر من أشجارٍباسقةٍ تتحدّى صفائحَ الإسفلت المنسوجة على أطلالِ منازلٍ قديمةٍ كانت هنا، ترسُم للمكانِزواياه وتَسدَلُ ظلالَها على ماضيها. ذاك الحوْش يجذِبُني نحو الزّمن الجَميل، وتشدُّنيإليه أوراقُ الكاليتوس المتناثرة التي تغورُ في رُكامِها قدماي، فأمسكتُ بحفنةٍ منها،وارتشفتُ عِطرَ الذكرى.

هنا لعبتُ، ونَقشْنا أولَ الحُروفِ التيتعلَّمناها على جَذوعِ الشَّجر، خَربشنا الحِيطان، وملأنا الشَارعَ ضجيجاً وعبثاً..

وفي ذاك الرُكن الخشبيّ لدُكَّان خالي عمر،أتت وسيلةٌ ببصل وفاطمةٌ بماءٍ وملحٍ. أما أنا فكان يجِبُ أن أتحايَل على الجانِيةوأُقسِّم لها أنَّ جدَّتي من طّلبت منها حبَّةَ طماطِم..

 

طّبَخنا في عُلبة صَفِيح وبدا الأكلُ المليءُبالغُبار والرّماد لذيذاً جداً. إلى يومِنا هذا لا يَعرِفون أنَّ عُلبةَ الصَّفيحِتلك، أتيتُ لهم بها من صُندُوقِ القُمَامَة.

 

وأنا أُسافرُ إليهم هزَّتني أميّ لندخُلَبيتَ الجِيران. مازالوا يذكُروننيِّ ويُحِبُّونَنيّ منذُ عشر ِسَنوات. تغيَّرت حياةُكلَّ واحدٍ مناَّ. هُناك من تزَّوج، وهناك من ترَّملت، من مَاتوا، ومن هاجَرَ.. ولكنظلَّ لكلِّ واحدِ مناَّ مكانٌ في قلب الآخر.

 

ونحن نرتَشِفُ القَهوةَ بالمُسَّمن المُعَسَّل،ونجتُّر مُغامرات الماضي، همتُ في واقعي. كلُّ تِلك الصَداقات وكلُّ ما أحسبُها روابطمتِّينةٍ بالأصدقاءِ في العمل والمَدرسة، لن تتربَّعَ في قلبي بقُوة وبراءَة أصدقاءطُفولتي رغم أنَّنا لم نعرِف بعضاً ولم نُدرِك ما يَربِطُنا، ولكن ظلَّ الحُبُّ يجمَعُنا،لم يُزَعزِعهُ الفراقُ ولا الرحيلُ.

 

تسليَّتُ لأوَل مرَّة بالاستِرسالِ في الحدِيث،وكانَ عِندي الكثير لأحكِي عنه، كما أنَّ رُوحي أحبَّت المكانَ، فتنَفَّستُ من أعمَاقي،وارتحتُ. ضَحِكْنا حتى دمَعت أعينُنا.

 

تذكَّرنا قصةَ الشَّيخ زَرُوق الذي لم تخنُهُشيخوختُه لما طارَدَنا إلى خارِج الحَي، حينَ دخَلَ الدُكّان وسمِعَني أهمسُ لصَاحِبَتي:

 

– إنَّ زوجتَه أصغرُ منه بكثير.

 

ثم حَكَت لنا الخالةُ يمينة عن قِصَتِهالعَجِيبَة تلك، حينما استعانَ بالأرواحِ الشرِّيرَة كما أُشِيعَ، ليأتي بها من بيتِزَوجِها ليلاً حافية القدمين، بمجردِ ما مرَّت عليه في صَبيحَة اليومِ نفسِه.

 

كُنتُ أتأمَّل في كلِّ واحدةٍ منهنَّ، أرىإذا ما خَطَ الشَيْبُ شعرَها أو ظَهرَت تجعيدةٌ ما على وَجهِها، وشَكلُ وُجوه الأولادالذين خُلِقوا، كنتُ أستطيعُ أن أرقصَ وسطَهم، أن أسكُبَ فنجاني على الصينيّة وأضحكُبأعلى صوت، أن أذهب إلى الحمَّام دون استئذانٍ.

 

لم تكنْ لجلستِنا طقوسٌ تحكُمها، ولا فيقُلوبهم ضغينة ما.. شعرتُ بالحَنين لأهل الحومة، وتباً للذي أخَذَني مِنهُم. كلُّ ماحَققتُه لا يُضاهي ذَرَّة سعادة وسطَ هؤلاء البُسَطاء الناجِين من بَطْشِ المدينة،كالخرائد تشِّعُ نفوسُهم عُذريةً ونقاءً.

 

استعدتُ كذَا حِكاية من مُذكرات الماضي،فتنجَذِبُ نظَراتي بين اللحظةِ والأخرى نحو السُور المُقابل الذي يَفصِلُنا عن منزلِالطُفولَة، حيثُ ارتشَفتُ الحنانَ والحُبَّ إلى غايةِ يوم وَفاتِها.

 

تعلَّقت عَيناي بوجه خالتي فاطِمة وهي بقَهقَهتِهاتلِّجُ بالحديثِ لأميّ، وتذكرت ملامحها في ذلك اليوم حين عانقَتني بشدَّة أمام مَدخَلبيتِنا. كانت تصرُخُ في أُذني الصَغيرة:

 

– أمُك ماتتْ، خلاص ماتت.

 

– ما معنى ماتت؟

 

عرفتُ في ذلك اليوم أنَّ جدَّتي لم تكنأمّي.

 

ولن تُمسَح عن ناظريَّ صورةُ أخوالي وهميَحمِلون نعشَها على أكتافِهم فارتمَيْتُ قرب أرجُلِهم أتوسَّل إليهم أن لا يأخُذوهامنيِّ.

 

منذ ذاك الحين وأنا يتيمةٌ، لم أحسّ بالسَعادةقَط وسط أبي وأميّ. لم يمُّر يومٌ إلاَّ وتشَاجرا فيه أو أنَّباني.

 

– مزيداً من القهوة؟

 

عدتُ إلى دائرة مجلسِنا وأنا أتحسَّسُ إذاما كشَفت دمعةٌ ما عن استيقاظِ الجُرح في أعماقي، الذي أحسبه لم يندَمل ولو بِيع المنزلُالكبير، إلاَّ أنَّه سيظلُّ في ذاكرتي بزواياه وغرفِه وبلاطِه القرميديِّ، تتوسطُهشجرةُ اللَّيْمون حيث كان جدِّي يُرتِّل القُرآن، والأرضُ تكسُوها أسرابُ الحَمام التيتُحلِق غاديةً عائدةً كُلما خَرجنا إلى الحَوْش نتناولُ الشَاي والمقروط المحشيّ بالتّمرفي الضّحى.

 

كم تسليّتُ لما أمطرُ نفسي بفُتاتِ الخُبزفيُحَلِق الحَمام حولي ويَهجُم، فتُطاردني جدَّتي بوابل من السَبِّ، ورغمَ ذلك أُعيدُالكرَّة ما إن أعرفُ أنَّها منشغلةٌ بالدّاخِل، ثم أنَظِفُ المكانَ بعدما أتَأكَّدأنَّ أعصَابَها هذه المرَّة لن تدفعَها لتأنيبي فحسب.

 

– أما زال الحمامُ يعود إلى منزلنا القديم؟

 

تفَاجأ الجميعُ بسؤالي الخارج عن مواضيعحَديثِهم.

 

– القليل من يتذكَّر المكان.

 

– وماذا عن شجَرة اللَّيمُون..؟

 

– ياه !  لقد ماتت منذُ عشرِ سنوات.

 

تمَلَكتْني رغبةُ جامِحة في أن أكسِر البابَالمُوصَد بالحديد، أو أقفزَ من على الأسْوار، يَشدُّني الشّوقُ لملامسة حيطانِ البيتالمُهشَّمة أو الدوران في غُرفِه، وغُرفَتي كانت لي ولجدَّتي، لكنَّ المنزلَ لم يعُدلنا.

 

تنهدتُ أسفاً وحسرةً، وجُلتُ ببصري في حَوْشالجيران من خلفِ السِتار الشَفَّاف لغرفة مجلِسِنا، كان هناك صهريجُ ماء منذ عشر سنوات.كان حمزة يلُّفُ حوله مبتهجاً لصُراخي وهو يَرمِيني بالماء، لم نكن نَدري أنَّ تِلكالقِطعة النَّقديَّة في قاعِ الصهريج ستَجذبُه للعالم الآخر. منذُ ذلك الحين وحمزةصغيرٌ لم يَكبُر بعد..

 

مَضَت ساعتان بسُرعة البَرق ولم يتبقَ إلاَّبِضع لحظاتٍ لإقلاع الطائرَة.

 

كانوا يبتَعِدون عنّي مُودعين، وأنا أرقُبهمبعيونٍ دامعةٍ من خَلفِ زُجاج السّيارة، حتى بدا المطرُ غزيراً وبات فراقُهم عزيزاً،لم آخذ منهم إلاَّ رائحةَ التُرابِ الممزوجِ بذُبال أوراقِ الكاليتوس التي تتعلّقُبأنفاسي، وتُوقظ فيّ رائحةَ الذّكرى.

 

*قاصة من الجزائر