تاريخ النشر : 07 مارس 2017 01:03 م

التعبير النسوي في السينما العربية

محمد عبيدو

 

لم يكن اقتحام المرأة العربية لمجال الإخراج سهلا خاصة أن المجتمعات لدينا تعتبر هذا المجال حكرا على الرجال بسبب صعوبة وقسوة ظروف العمل.. غير أن المخرجات العربيات قبلن التحدي رغم المشكلات العديدة التي واجهتهن،سواء في نظرة المجتمع  أوفي علاقتهم بالرجل بوصفه آخر، وبتعبيرهن عن قضايا وطنية وقومية (فلسطين ـ الحرب الأهلية في لبنان ـ التطرف والإرهاب) أو القضايا الخاصة بعادات وتقاليد المجتمع كالعذرية التي تعد من المحرمات إضافة إلى التحرر والحداثة والحمل غيرالشرعي.

 

والملاحظ أن عدد المخرجات في مجتمعاتنا ليست بنسب واحدة.. وإذا كانت مصر تعد من أولى الدول العربية حيث أن السينما المصريةعند ولادتها قامت على أكتاف عزيزة أمير وفاطمة رشدي وأمينة محمود وبهيجة حافظ، وقمن بإخراج بعض الأفلام الرائدة، إلا أنهن لم يواصلن وتفرغن للإنتاج والتمثيل فقط. لابدمن الإشارة هنا إلى أن مؤرخي السينما العربية يتجاهلون ذكر دور النساء الرائد في السينماالمصرية, وآخر مثال على ذلك ما كتب في الحياة عن أوائل الأفلام, ويتم ذكر أفلام قصيرةتسجيلية.

المرأة و الإخراج السينمائي

 وعند ذكر أول فيلم عربي طويل وروائي وهو فيلم « ليلى»  الذي أنتجته عزيزة أمير، وساهمت في إخراجه ومثلته،  نجد أن الكاتب يذكر أن استيفان روستي هو الذي أخرجه،.الأمر الذي تشير إليه عليا أراصغلي في كتابها (شاشات من الحياة) ، وهي تذكر أيضًا أنعزيزة أمير قامت بتأسيس أول استديو ، وهو هليوبوليس في العام 1928، الذي لا يزال موجودًاحتى الآن، وتم فيه إنجاز فيلم بنت النيل،  ومثلتههي أيضًا وأنتجته وأخرجته مع المخرجة وداد عرفي. وهذا الفيلم لا يزال موجودًا حتى الآن.من بين خمس شركات تأسست في حينها أسست النساء أربعًا منها، من بين النساء المؤسسات لإحدى الشركات الممثلة المعروفة فاطمة رشدي، وأسست آسيا داغر شركة لوتس في العام1929، وعملت أول فيلم مصري عرض في الخارج وهو فيلم « وخز الضمير» ، و لم يكن غريباًعليها أن تقف مع الرجل في مهنة الإخراج. وضمت القائمة في تلك الفترة أكثر من 12 مخرجة. كما أن المرأة المصرية قد برزت في مجالات سينمائية أخرى منذ سنوات طويلة، ككاتبة للسيناريو وكمساعدة مخرج فقط. وعودة المرأة من جديد إلى عالم الإخراج السينمائي جاءتكضرورة ملحة لطرح قضايا المرأة المعاصر، حيث برز في العقود الثلاث الماضية ، ما يقارب30 مخرجة أشهرهن (نادية حمزة ـ إنعام محمد علي ـ أسماء البكري ـ إيناس الدغيدي ـ ساندرانشأت - هالة خليل - كاملة أبو ذكري - هالة لطفي) وفي المغرب تبرز فيها أسماء (فريدةبليزيد وزكية الطاهري وفريدة بورقية و ياسمين قصاري و ليلى مراكشي ) وقد قارب عدد المخرجاتالمغربيات الأربعين امرأة وهذا ليس بالرقم الهين في سينما لبلد عربي .. هن نساء أعلنعن حضورهن السينمائي من خلال أفلام ترواح ما بين القصير والوثائقي والروائي، وتتميزبنفس إبداعي لافت للانتباه وتتطرق الى مواضيع ذات حساسية خاصة تنمي جرأة في التناولمرحب بها في ميدان السينما، ويأتي في الصدارة كاتبة السيناريو المخرجة المغربية فريدةبليزيد التي تعتبر واحدة من رائدات السينما العربية الجديدة وساهمت بشكل ملموس في المشهدالسينمائي بالمغرب من خلال الأفلام الروائية الطويلة التي قامت بإخراجها. ثم ننتقلإلى لبنان مع ( جوسلين صعب و رندا الشهال وهيني سرور ونادين لبكي وكريستين دبغي ) وتطل الجزائر حينما تتردد أسماء مخرجاتهما (أسيا جبار - يمينة شويخ ـ رشيدة كريم ـ ناديا شرابي - يمينة بن غيغي – فاطمة بلحاج – فاطمة الزهراء زعموم ) و تونس ( مفيدة التلاليـ سلمي بكار ـ كلثوم برناز) : سلمى بكار التي أكملت دراستها في الـ في باريس عام1970 ، وجدت أن فيلمها التسجيلي الطويل «فاطمة 75» عام 1978 يواجه رقابة السلطات .بينما كان على ناجية بن مبروك -خريجة ال INSASفي بلجيكا- عليها الانتظار 6 سنوات لإخراج فيلمها الروائي «السامة»الذي أكملته عام 1982 ولكنه تأجل بسبب نزاع مع SATPEC.إلى عام 1985 . و أظهرت النساء في التسعينات تأثيرا متزايدا ، ففي عام 1995 عادت سلمىبكار بعد 17 سنة بفيلم روائي جديد هو « رقصة النار» . و سبق عودتها ظهور كلثوم برنازبالفيلم القصير «تونس .. بنظرة النورس « عام 1991 ، ونادية الفاني في باريس بالفيلمالقصير «مناصفة حبي « عام 1992 و مفيدة تلاتلي بفيلم «صمت القصور» عام 1995 . ومن فلسطين(مي المصري وغادة الطيراوي و ناهد عواد و ديما أبو غوش و ليانا بدر و علياء أرصغليووبثينة كنعان الخوري(وفي سوريا : بعودتنا للبدايات مع سينما القطاع الخاص نجد أنهاكانت تمثل أفلاماً تجارية وتعرض موضوعات سطحية ورغبات تافهة تبتعد عن المشكلات الاجتماعيةالمهمة.   

إن منتجي تلك الأفلام ينظرون إلي السينما بمنظور السوق بحيث تظهر المرأة بشكل يتوافق مع هذا السوق، مثل سلعة ‏‏يبيعونها في شباك التذاكر و يركز على عوامل الإثارة والجنس أكثر من العناصر التي تعلى من قيمة وأهميةالمرأة. . . وكانت أميل إلى الإطناب في التعاطي في تجسيد العنف الذي تمارسه المرأةوالعنف الذي تتعرض له، وقدمت أفلامها المرأة كشخصية ثانوية مكملة لشخصية الرجل مهمتهاالوقوف خلفه وإبراز شخصيته لكي يظهر في الواجهة وفي موقع قيادة الأحداث أما هي فتبقىفي الظل،  أي أنها شخصية تابعة أحيانا وضعيفةوهامشية أحيانا أخرى، كما تم تسطيح دورها السياسي والاجتماعي علي نحو لا يتناسب معدورها الواقعي. ولم تتعرض لقضاياها ومشكلاتها الحقيقية وبشكل خاص المرأة العاملة. مماأفقد هذه السينما تأثيرها وأهميتها لدي جمهور المتلقين. هذه الصورة تغيرت مع أفلام القطاع العام التي حملت هما إنسانيا تحرريا وملامسة واقعية وجريئة لمشكلات هذا الواقع. في سورية المخرجات كشفت أفلامهن بصدق أصوات نسائية تدافع عن المرأة و أشارت بالإصبعإلي أن هذا النصف الآخر من المجتمع ما زال يعاني من القهر والظلم ولم يأخذ موقعه علىالخارطة الحياتية كما يجب وسعت لتحريرها من قيود عدة ما زالت تعرض حولها تكبلها وتعيقمسار تطورها. مع تجارب : واحة الراهب التي قدمت أول فيلم روائي سوري وانطوانيت عازريةالتي تحولت من المونتاج إلى الإخراج وهالة العبد الله وهالة محمد وغيرهن . ونعرج على أفلام العراقية الرائدة خيرية منصور واليمنية خديجة السلامي والسعودية هيفاء المنصور،وغيرهن من البلدان العربية.

جنباً إلى جنب مع الرجل

 إن استعادة البحث في سينما عربية تصنعها المرأة،منطلقة من محاولة الإضاءة على اشتغال إخراجيّ لنساء يسعين إلى جعل الكاميرا مرآة كشفأو تعرية أولاً، وأداة تعبير سينمائيّ يضع الصورة ولغتها في المرتبة الأولى، بالتساوي مع أهمية المواضيع المختارة وآليات المعالجة، فنياً وتقنياً وجمالياً، ثانياً. استعادة تحاول طرح أسئلة العلاقة بين السينما والمرأة، كشخصية أو كمخرجة، بالتوقّف عند أمثلةتُقدّم بعض لقطات المشهد العام. ويبرز هنا سؤال .. وهل المخرجات هن الأقدر علي عرضهذه القضايا وتبني الموقف الصحيح منها أم لا؟ ، فالملاحظ أن النساء كمخرجات أصبحن يلعبندوراً ذا أهمية متنامية في السينما العربية المعاصرة. ويخلقن لغة سينمائية جديدة بالغةالتعبير في ميدان متوتر بين مجتمع أبويّ ونزعة أصولية من ناحية وحركة التحرر الإنساني من ناحية أخرى .

 وتبقى هناك ملاحظة مهمة، فدخول المرأة في المجال السينمائي كمخرجة، يعتبر خطوة أخرى من الخطوات التي تسعى إليها لإثبات قدراتها الإبداعية والوقوف جنباً إلى جنب مع الرجل، وبروز المرأة كمخرجة يعتبر خطوة إيجابية تستحق الثناءوالدعم، وذلك لإبراز القضايا الاجتماعية على الشاشة، وإبداء وجهة نظر مغايرة لما يطرحهالرجل. ولكن يجب أن يتبع هذا خطوات أكثر أهمية وإيجابية، كابتعادها عن القصص التقليديةالمملة وترك الابتذال والتسلية في الفن، وتقديم أفكار وقيم جديدة، ذات خاصية اجتماعيةحساسة. وذلك لتبرر وجودها كمخرجة مميزة تطرح وجهة نظر جادة وواضحة، هذا وإلا ستكون مجرد إضافة غير فعالة للكم الهائل من المخرجين الرجال . مع العلم أن قضية المرأة ومساواتهابالرجل في الوطن العربي، ليست قضية عادية وبسيطة، بل هي قضية عميقة ومتجددة، لا يحلهافي الأساس وجود كاتبة أو مخرجة، إنها تحتاج لنسف اجتماعي شامل لتغيير النظرة الخاطئةعن المرأة، فالمرأة قادرة على أن تكون مخرجة رديئة ومخرجة جيدة، مثلها مثل الرجل تماماً.وعلى رغم أن هناك العديد من المخرجات اللواتي يعملن كمساعدات للإخراج أو أتيحت لهن تقديم مشاريع أفلام قصيرة إلا أنهن ما زلن يقفن في طابور الانتظار ويحلمن بتجاربهن الأولى..