عبد الرحمن بسيسو
  تاريخ النشر : 08 مارس 2017 05:48 م

المرأة والرجل ضفتا نهر واحدٍ هو الإنسانيَّةُ

عبد الرحمن بسيسو*

 

للمرأة رؤية للعالم، ونظرة ثاقبة للحياة،ولأنّ لخبرتها الحياتية أن تمدّها بطرائق ناجعة في تدبّر شؤون الأسرة والمجتمع، وبأساليب مبتكرة، ناجعة وخلّاقة، في التوجيه والقيادة.

***

تتأسّس الدّعوة إلى مشاركة المرأة في الحياةالعامة، وفي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وغيرها من مجالاتا لأنشطة الإنسانية وحقولها، على حقيقة جوهرية مؤدّاها أنّ هويّة المرأة، بوصفها ذاتاإنسانية ذاهبة دوما وكما الرّجل تماماً نحو كمالٍ محتملٍ، إنما تقع على الضّفة الأخرى لنهر واحد هو نهر الإنسانيةُ، الي علي ضفته المقابلة تقع هويّة الرّجل الإنسان.

ولهذه الحقيقة الجوهرية، التي تنهض علىأساس فلسفيّ مؤدّاه أنّ للإنسان إمكانية مفتوحة وتطلّعا لاهبا إلى كمال محتمل، أن تؤسّس،بدورها، سلسلة مترابطة من الحقائق والفروض المؤصّلة التي تؤكّد أنّ للمرأة حقوقا إنسانيةلا تقلّ عن حقوق الرّجل ولا تزيد عليها، وأنّ هذه الحقوق حقوق مترابطة، يعزّز بعضهابعضا، وهي متأصّلة في المرأة كذات إنسانية، أو هي طبيعة ثابتة في طبيعتها كإنسان.

وفي ضوء هذه الحقيقة، لا يكون لسلب هذها لحقوق، أو انتقاصها، أو انتهاكها من قبل الآخرين، أن يبطلها أو يلغيها؛ ذلك لأنهاحقوق مرتبطة بواجبات ومسؤوليات لم تكفّ المرأة، بطبيعتها أيضا، عن أداء ما أتيح لهاأن تؤديه منها، مثلما لم تكفّ عن تحمّل مسؤوليات هذا المتاح وأعبائه، وذلك من دون أنتتخلّى عن السّعي، أملا أو نضالا، للحصول على حقوقها كاملة، والشروع في ممارستها في ارتباط وثيق مع ما يترتّب على ذلك من إنهاض وعي متنامٍ، ومن واجبات ومسؤوليات.

هذا هو، في واقع الأمر، المسوّغ الرئيس،شديد الإحكام، للمطالبة بحقوق المرأة والدّعوة إلى مشاركتها في صنع الحياة الاجتماعيةبأسرها وفي اتخاذ القرار في كلّ شأن يخصّ حياتها ومستقبلها، فللنساء ما للرجال من حقوق،وعليهنّ ما عليهم من واجبات ومسؤوليات.

وليس للأقوال المتكاثرة حول الحاجة الماسّةإلى مشاركة المرأة، على قدم المساواة مع الرجل وبفاعلية أعلى من قِبَلِهما معا، فيمواجهة الأيديولوجيات الظلامية العنفية التدميرية المهلكة، وفي النّضال الإنساني المرّوالنبيل، والهادف إلى الحيلولة دون تمدّد أذرع أخطبوط العتمة والتّخلّف والعنف علىمزيد من بقاع الأرض العربية، وذلك كمدخل ضروري لاستئصال هذه الأذرع والقضاء، نهائيا،على هذا الأخطبوط المريع، إلا أن تكون مؤسّسة، بدورها، على هذا المسوّغ الرّئيس، وإلاأن تسهم، مع فتح الباب واسعا لتحيقق هذا الهدف النبيل، في فتح إمكانية انخراط الإنسانالعربي الواعي، امرأة ورجلا، في حراك مجتمعي وثقافي وحضاريّ عريض يتوخّى إنهاض نهضةعربية عميقة وشاملة.

وبهذا المعنى، لا يستقيم كلام على إمكانيةحدوث نهضة عربية، أجزئية كانت هذه النّهضة أم شاملة، إن لم تكن الجهود إليها مسبوقة،ومتواكبة باستمرار، مع جهود جذرية عميقة ودؤوبة، للإعلاء من شأن المرأة بوصفها إنساناجوهريا كما الرّجل تماما، ولإقامة سياسات التنمية في جميع المجالات على توازن يتناسبمع جميع فئات المجتمع وشرائحه وطبقاته، مع تأكيد حقيقة أنّ مشاركة المرأة صارت ضروريةللتنمية والتقدّم، وأنّ التقدير المعنوي للمرأة غير كافّ لإحداث التغيير، وأنّ تهميشدورها يؤدي إلى إعاقة التنمية، ويجعلها تنمية مغلقة حبيسة، تماما، مثلما أنّ إبعادالمرأة عن المشاركة الفاعلة في الحراك الاجتماعي والاقتصادي والسياسي يفضي إلى تخلّفحياتنا من جميع الوجوه، بينما تفضي مشاركتها الفاعلة إلى تجديد حياتنا وإثرائها، ذلكلأن للمرأة رؤية للعالم، ونظرة ثاقبة للحياة، ولأنّ لخبرتها الحياتية أن تمدّها بطرائقناجعة في تدبّر شؤون الأسرة والمجتمع، وبأساليب مبتكرة وناجعة في التوجيه والقيادة.

وليس لأي عقل إنسانيّ متفتّح إلا أن يعتبرما تقدّم من أقوال وخلاصات تتنوّع محمولاتها المفهومية، وتتعدّد منظورات إنتاجها والرؤيةإليها، بمثابة مسوّغات تفصيلية إضافية، مهمة وضرورية، تسهم في ترسيخ المسوّغ الرئيسالمتعلّق بجوهر هوية المرأة الإنسانية ودورها الوجودي، وبالحاجة الماسّة إلى مشاركتهاالفاعلة في إنهاض الحياة وضمان تقدّمها المطّرد، في وعي الناس جميعا، وأيا ما كان نوعهمالاجتماعي، أو انتماؤهم الدّيني، أو جنسهم، أو عرقهم، أو لونهم، أو مستواهم الاقتصاديوالاجتماعي والثقافي، أو لغتهم، أو عمرهم، أو الموقع الذي يحتلونه في إدارة شؤون البلاد،أو السلطة التي يمارسونها على مستوى اتخاذ القرار الذي يؤثّر على حياة الناس في أسرة،أو عائلة، أو جماعة، أو مجتمع، أو بلد، أو في إقليم بعينه، أو في العالم بأسره..

كاتب من فلسطين مقيم في سلوفاكيا