تاريخ النشر : 12 مارس 2017 11:47 م

قراءة في مجموعة الشاعر فتحي أبو النصر*

(أعناق طويلة لظني / رحيق دخان)

عبدالله السفر**

 

كتابةٌ بريّةٌ نافرة لا تعرف سياجا ولاحظيرة. كتابة لم تمر عليها مياه الآبار ولم تضبطها ساعاتُ الري. بنتُ الفضاء وربيبةالمطر. تلك كتابة فتحي أبو النصر في "أعناق طويلة لظني ورحيق الدخان" (دارمسعى للنشر والتوزيع، البحرين ـ 2013) بمذاقها الطبيعي الصِّرْف يخلو من التوابل وسائرالمطيّبات التي يذهب معها أصل النكهة.

تتدفق النصوص في براءتها الأولى محتفظةبخيوط الدم وازرقاق الجلد. لا فلترة تحجز ما نظنه شوائب أو ما نحسب أنه رواسب؛ تكدرالدقة وتشوش الترتيب.

لك أن تستلم الحالة الشعرية بشرط فتحي ووفقهذياناته ترمي بشظايا يغيب معها التدبير العقلي ويحضر شيطانُ الفوضى؛ يقفز ويصطدم ويبعثرويمزق: "كأن روحي دفتر رسم لأطفال مهمّتُهم التمزيق فقط". يطلقُ عواءَهُإلى منتهاه ويعبّئ المسافات بحجر التمرد؛ يبريها بغريزته ويملّسُ مرماها بالجنون.

يخلعُ الأوراقَ وحبرَها وينادي البياضَمريضاً وشكيمةً. يستدرجُ العدوَى ويطشُّ رذاذَهُ في وجه الطمأنينة: "فقط: ثمّةفجرٌ مُدنّس والبياض قد التهمَ أصابعَ الليل كجذام، البياض عاطفةٌ مرعبة، البياض تصفيةُحسابِنا مع الدخان الكثيف".

في ازدحامٍ من الأصوات وتكاثرٍ من الحناجر،يقومُ جسدُ فتحي ذائباً في "مونولوجات" تنشطر إلى ظلالٍ وأطيافٍ ترعاها شجرةُالداخل بمائها الغريب وشمسِها الخاصة، تنضجُها العزلةُ ويودٌ منسيٌّ في طارف الحكاياتوعلى أرصفةٍ تعرفُ روّادها المهدورين من حلمٍ ومن صباحٍ ومن ياقةِ عمرٍ متّسخة لفرطالذهاب في وقتٍ لا يجيء.. لفرط الاغتسال في ماءٍ لا يأبه لأقدام الطريق ولا لزخّةِغبارٍ يصعدُ في الضجرِ ويختنق بـ "قمرٍ يابس". ينتحلُ الشاعرُ ويتحوّل علىصفةٍ لا تتحوّل ولا تتبدّل، لسانُهُ الغرباء ولحنُهُ الغياب: "كلُّ منبوذٍ أنا/كلُّ لاجئ/ كلُّ ثمل/ كلُّ متأفف/ كلُّ لئيم/ كلُّ أحمق/ كلُّ الموتى/ كلُّ الأحياءالذين يدأبون على الحياة".. "والفجر يؤازر الخائبين، فيتذكرون اللحظات النبيلةوالحقيرة معاً التي لم يعيشوها بعدُ، ثم لا ينسوْنَ شيئاً من الحبِّ والبحرِ ورائحةِالأمهات وأُلفةِ الأصدقاء الذين ماتوا حالمينَ على نحوٍ مفاجئ".

يخزنُ الهامشَ في جلده ويباهي، وفي القلبمتّسع لأن يحمل ويحتمل. كأنما الأثقال التي تنهال عليهِ تصفّي عضلتَهُ وتطلق شرارةالوجدان. يتطايرُ عصف من المشاعر؛ قوس قزح مفرود في أفق هذا القلب الذي يتفحّم في لحظةوينتفض بالوهج في اللحظة ذاتها. عناق النقائض التي لا تفتر، يجتمعُ إليها الضدان وتصهرهماالقصيدة؛ نجاته من "ليلٍ بشع" يفتكُ بالأمل ويقصف كلّ ملاذ: "أيتامٌكرنفاليون في قلبي، وجنائز مشعّة في ضحكات الشاعر".

 

*شاعر من اليمن

**كاتب وناقد من السعودية