تاريخ النشر : 14 مارس 2017 04:07 م

المخاض الوشيك

ربيعة جلطي*

  في ذاك الصباح الوهراني الندي من بداية ربيع الألفين . استيقظتْ باكرا على غير عادتها. إنها حامل في شهرها السابع. كان عليها أن تقوم بمعاملة إدارية ضرورية. ألقت بضفيرتها خلفها مثل توأم، أو ظل ثان يتسلق ظهرها، أو صديقة وفية لا تفارقها. نزلت سلالم العمارة تأخذ بطرف فستانها البنفسجي باليسرى، وبالأخرى تضم جنينها الذي لا يفتأ يتحرك بشغب. «إلياس»أو«شوق»، لقد اختارت الاسمين معية رفيقها للوليد القادم، فهي لا ترغب في الكشف عن جنسه مسبقا.لأنها تفضل بهجة المفاجآت، ولا تحبذ أن تمر أشعة الأجهزة البغيضة الفاضحة لطبيعة جنس جنينها و حميميته ، لا تريد منها أن تؤذيه أو توقظه من عالمه الهادئ الناعم، بعيداعن العالم الخارجي المكتظ بالقلق. كعادتها اليومية، اشترت جريدة الجمهورية من الكشكتحت صف الشجر على رصيف شارع خميستي، ثم توجهت بخطى متئدة نحو مرآب «ميشلي». رَكنتْ سيارتها قرب المؤسسة الضخمة المحاذية للبحر عند «بلاس دارم». عجيب..! لم يكن في قاعة الانتظار أناس كثيرون. ستة أشخاص أو سبعة ينظرون باهتمام للإداري الوحيد خلف شباكه في ذهابه وإيابه، يبدو عليه التذمر. ربما تمنّى لو أنه تأخر مثل زملائه .لا ينظر إلىأحد وكأن القاعة أمامه خالية . لماذا أنا..المرة القادمة سآتي متأخرا مثلهم ؟! لعلهيوبخ نفسه لأنه جاء باكرا. الشبابيك الثلاثة الخرساء الأخرى مازالت مغلقة. فتح الكوة أخيرا ورفع حاجبيه في حالة استفسار للجالس في المقعد القريب من شباكه :

  - واش عندك خويا ؟!

 - صباح الخير خويا أنا جبلتكم لوراق اللي قلتلي جيبها هاهي.. !

 التقطها منه بعصبية ثم فركها فركتين بين أصابعه ثمأعادها له :

-           مازال يخصك ورقة الضمان وورقة الضوّ.. ارجع غدوة! بين المنتظرين أثار انتباهها رجل مسنّ،من ذلك الجيل من الرجال الجميلين الجليلين الذين هم في طريقهم نحو الانقراض، تاركين مكانهم للقوارض. على الرغم من سنه المتقدم، إلا أنه يبدو أنيقا في بدلته النظيفة بثلاث قطع وربطة عنق منسجمة و بسيطة. هندام لا ينمّ عن الثراء أبدا، ولكنه يعكس ذوقا حضارياو احترام الغير. يتكئ على عصاه الطبية.. أصاخت السمع إليه حين اقترب من الموظف الشاب  المتذمر:

-           صباح ا لخير وليدي .. أنا هو اللي قلت لي ارجع بعد غدوة الصباح.. على ملف التقاعد نتاعي مقوسا لظهر من ثقل السنين، يجد صعوبة الاعتدال في وقفته كي يتسنى له رؤية الموظف بوضوح منخلف شباكه . الموظف لا يتحمل عبء الوقوف والإطلالة على الشيخ الوقور المتعب . ظل جالسا ينظر إليه ببرود. لم يرد عليه سوى بتحريك رأسه من اليمين إلى الشمال ومن الشمال إلىاليمين عدة مرات . بينما كان الشيخ الحضاري يحاول أن يسأله إن كان هناك جديد في ملفه.صوته ضائع، متهدج لا يصل إلى الجالس بأبهة خلف شباكه وهو يدير رأسه من اليسار إلى اليمين ومن اليمين إلى اليسار. كان قلبها يدق بقوة وهي تتابع ما يجري عن كثب . - كيف يعامله بجفاء هكذا ..كان يمكنه أن يكون أبي .! تناست جنينها الذي يركل أحشاءها بقوة، وهي تتمثلوالدها في ذلك السيد المتعب الوقور يستجدي بعينيه الكسيرتين وظهره المنكسر ذاك الموظف الشاب المتعنتر المتجبر، يحرك بالنفي رأسه ذات اليسار وذات اليمين بلامبالاة . في ذهولوانكسار وصبر يحوّل السيد الوقور بصره بذُل وقلة حيلة بين رخام أرضية القاعة وشباك الموظف، ثم بعد لحظات صمت، يحاول أن يجر جسده المتعب بصعوبة وعناء نحو باب المغادرة. هدأت ركلات «إلياس»أو «شوق». لعل الجنين قد نام حين استيقظت في قلبها نيران الثورةعلى شيء ما. اقتربتْ من الموظف الشاب ثم خاطبته بهدوء ملغوم يكاد يكون همسا :

-           ماتحشمش..؟ لم ترفع صوتها أبدا كعادة دلالات الغضب. لم تصرخ في وجهه. أرادت أن يسمعهاعلى انفراد. وحده. دون إزعاج المنتظرين الآخرين. كانت الجمل القليلة القصيرة المنتقاةالتي ألقت بها نحوه تتسرب مثل سهام رقيقة مدببة حادة تخترق الشباك الصغير في اتجاهه،كانت كافية لتمطره بوابل من حجر، أو تصب على رأسه مياها باردة. كان ينظر إلى ملامحهاالتي تبدو هادئة على الرغم من سعير الغضب المضمر، كمن فاجأته عاصفة على حين غرة وهوعلى زورق ملون. وما أن أنهت جملها تلك وهمت بالخروج بخطوات هادئة كي لا تزعج جلسة جنينها الملوكية في أحشائها، ولا توقظه من نومه إن هو غفا، وما أن اقتربت من الباب الزجاجي الضخم، حتى ابتعد الموظف الإداري الشاب عن الكوة البغيضة بسرعة، وفتح بابا صغيرا وخرجمنه، لحق بها وهو يحاول بذراعيه أن لا يتركها تغادر. توجه نحو الشيخ وابتسم له واضعا ذراعه على كتفه، يروم إسناده ويدعوه للعودة. وتحت نظراتها، أعاده بلطف خلف الكوة بينما اختفي لحظات ليعود بملف أزرق باهت وكومة أوراق. ابتهجت ملامح الشيخ حتى لكأن ظلّ دمعتي فرح عميقتين برقتا خلف جفنيه المتعبين بعد أن سلمه بطاقة صغيرة. إنها بطاقة الخلاصمن المخاض الإداري العقيم . في الشارع كانت تتحدث إلى الشيخ الأنيق بحميمية غريبة وكأنه والدها. اقترحت عليه أن توصله إلى بيته. جلس بجانبها متهالكا. قص عليها بروح ساخرة تجربة عمره الطويل مع البيروقراطية والبيروقراطيين. ضحكاته المتهدجة التي يصطك لها فكّا أسنانه الاصطناعية تملأ قلبها مَرَحا، بينما كان» إلياس» يركل أحشاءها توقاً للمخاض الوشيك ومعانقة الحياة.!

 

*روائية وشاعرة من الجزائر

يحتوي النص على ألفاظ باللهجة الجزائرية