تاريخ النشر : 16 مارس 2017 08:16 م

 

 مسرحية قصيرة في فصل واحد

 

طريقة آمنة للانتحار / ممدوح رزق*

 

الشخصيات:

ـ رجل عجوز في منتصف الستينيات تقريبًا.

ـ شاب في منتصف الثلاثينيات تقريبًا.

المكان:

جزء من شارع غير مزدحم.

الوقت:

ظهيرة شتوية

 

شجرة تعلو رصيفًا على جانب الطريق، يجلسالرجل العجوز تحتها، فوق حافة الرصيف، بجانبه كرسي متحرك فارغ .. العجوز لا يبدو علىوجهه أكثر من الشرود بينما يراقب ما حوله في صمت .. يدخل الشاب إلى المسرح، يمر أمامالعجوز بخطوات بطيئة نوعًا ما وهو ينظر إليه ثم يعود ليقف بجواره.

الشاب: مساء الخير.

العجوز (بابتسامة خفيفة وهزة رأس مُرحبة):مساء الخير .. أهلا بك.

ـ هل تعرف إن كان يوجد محل لبيع الزهوربالقرب من هنا؟

ـ كلا .. أنا غريب عن هذا الشارع .. فقطأجلس لأستريح قليلا.

ـ هل تريدني أن أساعدك في شيء؟

ـ أشكرك .. أنا بخير .. أنت تعرف، في عمريهذا يزداد التجول في الشوارع صعوبة يومًا بعد آخر.

ـ لقد رأيتك من قبل أكثر من مرة في شوارعمختلفة، تدفع هذا الكرسي الفارغ.

ـ كرسي فارغ؟! .. أنت إذن مثل كل هؤلاءالذين لا يستطيعون رؤيته.

ـ رؤية من؟

ـ إبني الوحيد .. الولد الجميل الذي يجلسأمامك .. إنه لا يسمعنا، كما أنه لا يستطيع أن يتكلم، أو ينهض من مكانه .. من المؤسفأيضًا أنه لا يستطيع أن يمد يده ليصافحك، لكن ها هو يبتسم لك .. لماذا لا تبتسم لهأنت أيضًا؟

(ينظر الشاب إلى الكرسي الفارغ، ويبتسمثم يرفع يده بتحية خاطفة ومرتبكة).

الشاب (كأنما قرر مسايرته لتسلية ممزوجةبالشفقة): أنتما تتنزهان يوميًا إذن؟

العجوز: نعم .. أخرج به كل يوم، نتجول فيشوارع المدينة ثم نتوقف قليلا كي ألتقط أنفاسي، وبعد ذلك أعود به إلى البيت .. نحننعيش وحدنا منذ زمن طويل، وأنت من يعيش معك؟

ـ لا أحد .. لقد مات كل أفراد عائلتي.

ـ لابد أن لديك أصدقاء إذن؟

ـ كان عندي الكثيرين ممن يبدون كذلك، ابتعدتعنهم جميعًا، ومنذ زمن طويل لم أعد أغادر البيت إلا نادرًا.

ـ وإلى أين تذهب في تلك المرات النادرة؟

ـ أتجول وحدي، أشتري جريدة أو كتابًا، أجلسأحيانًا في مقهى لأراقب العابرين ثم أعود سريعًا.

ـ أنا أيضًا لم أقابل أحدًا منذ فترة بعيدة،المرة الأخيرة كانت منذ عدة شهور حينما حاولت إيقاظ هذا الولد في الصباح فلم يستيقظ.. ناديت واحدًا من الجيران فجاء ليساعدني في إيقاظه، لكنه فشل مثلي .. بعد قليل وجدتأشخاصًا لا أعرفهم يحملون جسدًا صغيرًا، ويخرجون به من البيت إلى مكان ما .. لم أكنأدري شيئًا عما يحدث، ولم أفهم ما الذي كان يعتقده هؤلاء الغرباء، لكنني  حقيقة، لم أهتم بسؤالهم .. كل ما كان يعنيني هوانتظار إبني  حتى يستيقظ، ولهذا ظللت جالسًابجواره فوق السرير .. كنت أعرف أن هذا الولد الماكر يحلم حلمًا جميلا، وأنه يرفض مغادرته.. ربما كان يرى نفسه طائرًا يحلق في السماء، ويرقص بين النجوم .. لم أستطع التأكدمنه حينما استيقظ، وإن أعطتني ملامحه السعيدة إنطباعًا قويًا بذلك وأنا أجهز فطوره،وأبدّل ملابسه، وأجلسه فوق كرسيه، ثم أخرج به كما تعوّدنا.

ـ كم يبلغ من العمر؟

ـ إثنا عشر عامًا.

ـ لقد كتبت في مثل عمره قصة قصيرة عن ولديجلس فوق كرسي متحرك، يحاول الاستجابة لنداء نجمة، لكنه حينما حاول النهوض للطيرانإليها سقط على الأرض.

ـ هل مازلت تكتب القصص؟

ـ نعم، وجميعها تحكي نفس الحكاية بطرق مختلفة.

ـ لقد قرأت الكثير من القصص .. أتذكر جيدًارجل عجوز على الجسر لهمنجواي، أمام القانون لكافكا، الشحاذ أو الكلب الميت لبريخت.. هل قرأتهم؟

ـ نعم قرأتهم جميعًا.

ـ هناك شيء مشترك في هذه الحكايات .. شخصيجلس أو يقف في مكان ما ثم يأتي شخص آخر لا يعرفه كي يتكلم معه .. شخص لديه حاجة قهريةإلى هذا الغريب .. هذه الحاجة دائمًا ما تكون اعترافًا لا يتم.

(صمت)

الشاب: هل لاحظت أنه لم يعبر أحد من هذاالطريق منذ أن بدأنا نتحدث؟

العجوز: نعم، هذا بالتأكيد أمر نادر، فهذهالمدينة ينقص هواؤها لحظة بعد أخرى.

ـ لكنها ممتلئة بالكثيرين الذين أتمنى رؤيتهميتعذبون.

ـ وهل هم لا يتعذبون بالفعل؟

ـ نعم، ومع ذلك طالما أنهم لم يتعذبوا بسببيفإنهم سيظلون أكثر البشر سعادة بالنسبة لي.

ـ لا يبدو لي أنك من النوع الذي يستطيعأن يؤذي أحدًا باستثناء نفسه.

ـ أنت لا تعرف شيئًا عني.    

ـ حسنًا .. هل تريد تعذيبهم أم قتلهم؟

ـ كلا .. لا أريدهم أن يموتوا .. أريدهمأن يظلوا أحياءً.

ـ وماذا لو أفضى العذاب إلى الموت؟

ـ لا أدري .. أعتقد أن الندم سيقتلني حينئذ.

العجوز (بسخرية): يبدو أنني أعرف عنك أكثرمما تتخيل.

الشاب (بسخرية عصبية مضادة): حقًا؟ .. هلتظن أن الخوف من موتهم هو ما يعطلني عن إيذائهم؟

ينهض العجوز ويتحرك حول الشاب: كلا .. لاأظن ذلك، ولكنه على الأقل هاجس لا يفارقك، أما الذي يعطلك بالفعل، أنك لم تعرف بعدكيف تنتقم دون أن يكتشف أحد بصماتك .. أليس كذلك؟

ـ هذا صحيح، ولو أن الأمر أكبر بكثير مماتعتقد .. إنني لا أريد الانتقام من بعض البشر فحسب .. إنني أريد تحويل هذه المدينةإلى ظلام تام لا تضيئه إلا الحكايات الفاضحة.

ـ أنت تحتاج إلى شخص مثلي إذن.

الشاب (بتهكم قلق): مثلك أنت؟

ـ نعم .. شخص قضى عمره يتجوّل في كل الشوارع  .. يحتفظ بالكثير من الأسرار .. من يدري .. ربمايمتلك قصصًا غريبة حدثت في بيوت قديمة .. ربما لديه صور .. أوراق .. أصوات مسجلة.. خرائط .. مخطوطات لا يعرف عنها أحد شيئًا .. شخص يستطيع أن يسافر عبر الزمن كلمانزل إلى قبو صغير في منزله.

الشاب (مقويًا نبرة الاستهزاء): حسنًا.. وما الذي فعلته بكل هذه الثروة العجيبة؟

ـ لا شيء .. أنا مجرد ذاكرة .. ماض محايد،يخلو تمامًا من العداوات كما يخلو من التطلعات .. أنا لا أريد شيئًا من هذه المدينة،ولا يرجع هذا لكوني أصبحت عجوزًا بل صدقني؛ لقد كنت هكذا دائمًا طوال حياتي .. أجمعأرواح العالم، وأنا في عزلة تامة عنه.

ـ ربما أنت لا تعرف إذن ما الذي يعنيه أنتقضي حياتك مسجونًا داخل الحواف المائعة، عاجزًا عن أن تكون متورطًا كما يجب، أو منفصلاكما يجب .. ربما أنت لا تعرف ما الذي يعنيه أن يكون مفترق الطرق تعريفًا بائسًا لعمرينتهي كلحظة خاطفة دون أن يكترث أحد بذلك .. نعم .. هذه المدينة ممتلئة بالكثيرين الذينأتمنى تعذيبهم .. أريد أن أحوّل كافة الأشياء الماسخة التي صنعت وجودي إلى كوابيس تملألياليهم .. ربما أنت لا تعرف ما الذي يعنيه أن تسكن عتبات ضبابية يمر فوقها الشامتون.

ـ لمن كنت تريد شراء الزهور إذن؟

ـ الزهور؟

ـ ألم تسألني منذ قليل إذا ما كان هناكمحل لبيع الزهور في هذا الشارع؟

ـ نعم .. كنت أريد شراء الزهور لنفسي.. كنت سأضعها فوق طاولتي المنزلية التي أجلس أمامها في الظلام كل ليلة .. ربما كنتأعطيت وردة لإبنك.

ـ إبني .. أي إبن؟

ـ هذا الولد الجميل الجالس فوق الكرسي.

ـ عزيزي الشاب الطيب؛ لا أحد يجلس فوق هذاالكرسي .. لقد مات إبني منذ عدة شهور، ومنذ ذلك اليوم أخرج كل ظهيرة لأدفع هذا الكرسيالفارغ إلى الشوارع كما اعتدت أن أفعل، كأنه لا يزال حيًا .. كأن روحه لا تزال جالسةفوق هذا الكرسي؛ تراقب الناس، وتأكل الآيس الكريم، وتبتسم للقطط التي تأتي لتجلس بجانبه.. أصبح الخروج بهذا الكرسي الفارغ هو السلوى المتبقية لحياتي .. العزاء الوحيد بعدفقده .. أصبح الخروج بهذا الكرسي الفارغ هو الطريقة الوحيدة التي تساعدني على استردادهمن الموت.

ـ حسنًا .. ماذا عن الأسرار والحكايات الغريبةالتي لديك، ألن تطلعني عليها، أو على الأقل على بعضٍ منها؟

ـ ماذا ستفعل بها؟

ـ أنت تعرف .. سأستعملها في تعذيب أعدائيبالطبع .. سأصنع مزيجًا بين هذه الغنيمة والقصص التي أعرفها عنهم .. جروحهم المخزيةالتي أحتفظ بها في ذاكرتي .. سأخلق لكل واحد وواحدة حياة جديدة تتناقلها الألسنة فيهذه المدينة، ثم تتطور عبر الزمن دون أن تخبو.

ـ هل أنت واثق من أنك ستستطيع أن تفعل هذا؟

ـ بالتأكيد.

ـ ألن تظل تكتب فقط ما تتمناه ولا تقدرعلى تحقيقه؟ .. ألن تتزايد الأوراق التي تدوّن فيها أحلامك التي لن تتجسد أبدًا فيالواقع؟ .. ألن تواصل حكاياتك اختباءها بعيدًا عن عيون الشامتين؟.

الشاب (بغضب): لا أعلم ما الذي يدفعك لمثلهذه التساؤلات الأشبه بتوقعات سخيفة.

ـ ألم أخبرك بأنني أعرف عنك أكثر مما تتخيل.

ـ حسنًا .. سأفترض أن توقعاتك صائبة تمامًا،وأنني سأظل عاجزًا عن تحقيق أمنياتي، وعن تجسيد أحلامي، وأن حكاياتي الانتقامية ستظلمختبأة بعيدًا عن الذين أود تعذيبهم .. سأفترض أن لديك كل الحق في ظنوك، ومع ذلك أنتأيضًا لا تبدو لي كشخص يمتلك أسرارًا أو قصصًا غريبة.

العجوز (بسخرية): وكيف يبدو من يستطيع السفرعبر الزمن في تصورك؟

ـ لا أدري، ولكن كل ما أعرفه أنه لن يكونفي عينيه مثلك هذه الغفلة المعتادة التي تسكن عيون الجميع.

العجوز (يضحك): حسنًا .. أنت تلعب جيدًا،ولهذا سأعطيك مكافأة صغيرة .. سر واحد فقط سأخبرك به .. ما رأيك؟

الشاب (مبتسمًا كأنما حقق انتصارًا خبيثًا):وهل من الممكن أن أرفض؟

ـ لقد مات إبني مقتولا.

الشاب (محاولا السيطرة على صدمته): ومنالذي قتله؟

ـ أنا.

(يظل الشاب صامتًا، بصدمة كاملة، دون سيطرة)

العجوز (بألم كأنه على وشك البكاء): نعم.. لقد ظل يعاني فوق هذا الكرسي لسنوات طويلة منذ أن كان في الثانية عشر من عمره حتىأصبح شابًا في الثالثة والعشرين، وكنت أدرك تمامًا أنه لو أصبح عمره مائة عام فإنهلن يغادر هذا الكرسي، وأن معاناته هذه لن تساوي شيئًا أمام ما سيلاقيه وحده بعد موتي.. لذا قررت أن أنهي حياة هذا الولد المسكين قبل أن يجد نفسه وحيدًا .. قتلته دون ندم،وبطريقة لم يكن من الممكن أبدًا أن يكتشفها أحد.

ـ وما هي؟

العجوز (بابتسامة تزيح الألم من ملامحهتدريجيًا): هل تعتقد فعلا بأنني سأخبرك؟

ـ ولم لا؟ .. هل تخاف مني؟

ـ أنت تعرف جيدًا من منا يشعر بالخوف تجاهالآخر، ولكن يكفي أن أخبرك بأن واحدة من الحكايات الغريبة التي أمتلكها هي التي ألهمتنيطريقة قتله.

(صمت)

الشاب: ما رأيك لو أخبرتني فقط ببداية هذهالقصة؛ فربما أستطيع أن أستنتج وحدي بقية تفاصيلها حتى نهايتها.

العجوز: حسنًا .. كان هناك في هذه المدينةجماعة من البشر، يعيشون في بيت قديم، ينسى كل واحد منهم في صباح كل يوم أي صلة تربطهبالآخرين، وما الذي جاء به كي يعيش معهم في هذا المكان.

ـ نعم .. وهذا ما كان يحتم عليهم أن يتعرفواعلى بعضهم من جديد كل صباح.

ـ بالضبط.

ـ ولكن التعارف كان يتم كل يوم بطريقة أسوءمن اليوم السابق.

ـ أكمل.

ـ حتى بدأوا يختفون من البيت واحدًا وراءالآخر.

ـ هذا صحيح.

ـ وفي النهاية تبقى شخص واحد فقط.

ـ نعم.

ـ هذا الشخص لم يعد ينسى، وإنما على العكستضاعفت ذاكرته فجأة كأنما أصبح ماضيه يحمل حياة كل واحد من الذين كانوا يعيشون معه.

ـ بالفعل.

ـ ثم قضى أيام وشهور وسنوات وحدته في محاولةاستعادتهم.

ـ أكمل.

ـ ظل يكتب، ويخلق قصصهم من جديد، حتى اكتشفتدريجيًا الطريقة التي قتلهم وأخفاهم بها دون أن يشعر.

ـ وهذه الطريقة هي؟

الشاب (ينظر في عيني العجوز كأنما يفيقمن غيبوبة بتنفس ثقيل): أنت كاذب.

ـ لكنني كان يجب أن أفعل هذا.        

ـ حسنًا .. أنت ...

ـ نعم .. أنا لم يكن عندي ولد في يوم منالأيام.

ـ لماذا ...

ـ لأنك طوال الوقت تنتحر بطريقة آمنة.

ـ لكنني ...

ـ أنت كاذب أيضًا.

الشاب (باستسلام مقبض): نعم .. أنا لم أكنأبحث عن محل لبيع الزهور.

العجوز (بابتسامة منتصرة وهو يشير إلى الكرسي):ماذا تنتظر إذن؟

يجلس الشاب فوق الكرسي .. يدفعه العجوزإلى خارج المسرح.

(ظلام)

 

*شاعر ومسرحي من مصر