تاريخ النشر : 22 مارس 2017 08:26 م

 

 

عقدة الهوية الفلسطينية

راجي بطحيش*

 

 

عندما وصلت السفن المحملة بالمهاجرين اليهود الأوروبيين  إلى خليج حيفا في بدايات القرن العشرين، هي لم تصل إلى مكان ذا هوية واحدة، كاملة ، جمعية متواصلة ولا يمكن تجزئتها، بل وصلت إلى وجودحضاري ككل مكان آخر (متوسطي على الأقل) ما هو إلا تفاعل بين الجغرافية والتاريخ واللغة والاحتلالات والهجرات والمحيط .

 

لم يكن وصول اليهودي الأوروبي الأبيض وصولاً لكائن مستضعف من هامش المجتمع،مجتمع هو أصلا  يدعي أنه لا ينتمي اليه بل هو ينتمي لأرض اسرائيل التي لم يرها بحبل سري اتضح في النهاية أن مادة هذا الحبل الوراثية مجهزة مخبريا بحيث يمكنها أن تتفكك إلى جزيئاتها في أي لحظة جاء الرجل الأوروبي بوقاحةالمستعمر واستعلائه ولكن بمخاوفه أيضا.. لقد تصرف المستعمر الصهيوني الأوروبي بشكل كتالوجي بالضبط كما جاء في كتاب  الاستشراق..بمعنى أنه تعامل –إدوارد سعيد مع الأرض الجديدة-القديمة كأنها ملك طبيعي لمن يستحقها،اي من يتمتع بتدريج إنساني- أخلاقي "أعلى" لأنه يملك المعرفة المطلقة  وأسرار التربة المقدسة التي أورثت له توراتيا عبرنكتة طويلة. من ملامح الاستشراق الأخرى الجلية التي تنطبق على الحالة الفلسطينية أن السكان الأصليين  في الوعي الصهيوني لا يستحقون جمال وحضارة موطنهم وأنهم لا يملكون  حتى القدرة على إدارة ثرواتهم بأنفسهم لذاتبدو ثرواتهم واراضيهم مهملة وقاحلة وهي بحاجة لشخص من بلدات بولونيا النائية ليمنحهامعنى.. فالأرض لا تتحقق وتصبح ملموسة إلا عندما يكتشفها الأوروبي أو حتى يلمحها وهوفي طريقه إلى الهند مثلا. وكولومبوس هو أكبر مثال كوني على ذلك. من أدهى الاستراتيجيات التي يتبعها الاستعمار والتي اتبعتها بالتالي الصهيوني بعد تحقيق مشروعه ، أنه حدد لكل طرف في المعادلة "هوية" تلائم مصالحة.. فمن الزائد القول إن القوي هومن يرسم "الهويات" بما يخدم استمرارية حكمه وسرمديته، لكن في الحالة الصهيونية كان هذا الرسم أشرس وأعنف، حيث استعملت الصهيونية العلمانية أصلا النص الديني كنص مؤسسلمشروعها مع أنه يتضارب مع طبيعته، كما خلطت الحابل بالنابل فيما يتعلق بالعلاقة بين التراث الديني والقومية وأزالت الحدود بين الدولة كهيئة إدارية وبين الوطن كوجود حضاري فعلي والوطن

كفكرة موعودة، فاخترعت تقاليد وتراثا وأخذت أحداثا تافهة بالتوراة كقصة مسادة وحولتها إلى أحداث جلل جامعة وموحدة.. وفي المقابل احتكرت الصهيونية الحق بامتلاك"هوية" كاملة.. متكاملة- متصالحة هي هوية تنسب لنفسها التقاليد –مع ذاتها الغربية وعراقة الحرية عبر تناقضهامع العدو العربي وذلك من دون أن تستشير أحدا أو حتى تحاول أنسنة العربي والتعرف عليه،بل على العكس جردت الصهيونية اليهود-العرب القادمين من بغداد وحلب واليمن من عروبتهموفرضت عليهم هوية "الشرقيين" .. وخاصة أولئك الذين جاؤوا من المغرب على ضفاف الأطلنطي في قلب الغرب الجغرافي. أماعلى صعيد السكان الأصليين وهذا ما أود التركيز عليه هنا وفي كتاباتي القادمة، فقد تمتوزيع هويات "اسرائيلية" على من أفلحوا في طرده وهي هويات ليست ورقية أوجلدية وحسب بل هويات حضارية مستحدثة ومشوهة في آن.. فكما يفعل المكتشف الأبيض للأرضفي

عندما وصلت السفن المحملة بالمهاجرين اليهود الأوروبيين  إلى خليج حيفا في بدايات القرن العشرين، هي لم تصلإلى مكان ذا هوية واحدة، كاملة ، جمعية متواصلة ولا يمكن تجزئتها، بل وصلت إلى وجودحضاري ككل مكان آخر (متوسطي على الأقل) ما هو إلا تفاعل بين الجغرافية والتاريخ واللغة والاحتلالات والهجرات والمحيط .

تعامله مع الآخر، ينزع عنه صفة الانسانية اللائقة ويتعامل معه كمجموعة قبائل بدائية ومتخلفة ترعى الأغنام ولا تعرف مصلحتها ولا تستحق حتى إدارة خيرات الأرض،ونكاد نجد مثلا هذه الثيمة في كافة الأدبيات والأفلام المروجة للصهيونية في سنوات الخمسين وحتى ما قبلها، فالصهيوني الأشقر ذو الجسد اليوناني المنحوت والبطولي هو من ينجح باستخراج الماء من باطن الأرض في فلسطين  وهو الوحيد الذي ينجح في زراعة الأرض وجعلها قابلة للحياة وذلك وسط سلبية وغرائزية العربي، أماالعرب  الأصلانيون فقد فرضت عليهم هويات شتى،  مثل : أبناء الأقليات، سكان المناطق، بدو، دروز،مسيحيون، عرب أرض إسرائيل وما إلى ذلك... ومع أن تلك الهويات تبدو سخيفة وغير نافذةإلا أنها تغلغلت داخل الذات الفلسطينية وجعلتها ترفض الهويات المفروضة عليها وكأنها تصدقها، وذلك وبالأساس ثقافيا وهذا ما يهمني هنا عبر تصديق كذبة التماهي بين الدولةوالوطن ومقابلة آليات "اختراع الأمة الإسرائيلية"

بــــ"افتعال الأمة الفلسطينية" وذلك عبر تسطيح بعض رموز وأشكالالوجود الفلسطيني وجعلها سلعة جامعة وموحدة للأمة، ونجد ذلك جليا في السينما خاصة وفي شتى أشكال التعبير الفني الفلسطيني كذلك  ابتداءمن الثقافة الشعبوية، كظهور الفلسطيني في برامج الهواة مثلا مرورا

بالفن التشكيلي والشعر والقصة ومحاولات كتابة الرواية. فعلى الرغم منإشارات تفكك الهويات المفروضة "من فوق" كتحلل الدول القامعة مثل سوريا والعراق وكذلك بوادر تآكل الصهيونية من الداخل وقصر نفسها وفروغ رصيدها، نجد المبدع الفلسطينيلا زال يصارع ضمن عقدة التثبيت العكسي لهوية وطنية كرد على الهوية التي حاصره فيهاالإسرائيلي، ومع بعض محاولات التفكيك لا زال الفلسطيني عالقا في رموزه.. في الرموزالجامعة  وذلك بدلا من اعتماد القصة الشخصيةوالوجود الحضاري الأكثر دقة لتشكيل فسيفساء أهم. فإن اللجوء لأساليب التهكم والتفسيرالكلبي للوجود والميلانخوليا وتفكيك المكان في محاولة فهم عبثيته وما آل إليه ، كماأن التعامل مع الذاكرة كحالة فردية تشكل البازل الجماعي بدلا من ترديد نص هوياتي مجهزمسبقا ستجعل الحضور الإبداعي أكثر تركيبا وتأثيرا وإشكالية، وهذا ما يهمني كاتب منفلسطين مقيم في حيفا.

 

*كاتب وقاص فلسطيني يقيم في حيفا