تاريخ النشر : 16 أبريل 2017 10:28 ص

 

الشعراء والحوارات الصحافية

نصر جميل شعت*

 

هذه المقالة هي نظرة قريبة من متابعتي وقراءتي لجديد الأعمال الأدبية، لا سيما الشعرية منها؛ والتي تصدر تباعاً من هنا أو من هناك.

إذاً، أقف على الحوارات التي يتمّ إجراؤهامع شعراء وتظهر على صفحات الصحف والمواقع الورقية والالكترونية.

تتنوّع طبيعة أسئلة المحاور؛ كلّ حسب ثقافته وذكائه وقدرته على وضع اليد في مكامن جوهر أو ضعف ضيفه. هناك أسئلة ذكية ومهنية ومصقولة بالقراءة المعمّقة، في آثار هذا الشاعر أو ذاك. هناك أسئلة تنطلق من قنوات السذاجة،أو يتمّ إلقاؤها في وادٍ غير ذي ماء وزرع. وأسئلة وإجابات خفيفة ومريضة بالادعاء وفاضحة،بامتياز.

لكن، للحق، تأتي إجابات كبيرة لكون الأفكارالتي يُدلي بها بعض الشعراء تُصنَّف في صميم النقد. غير أن هذا يجعلنا نطرح تساؤلاًمهمّاً في ظلّ غياب الأرصاد النقدية لجديد الشعر الذي يكتبه الشعراء، ولا سيما الشباب:هل يجوز للشاعر أن يتحدّث في أدقّ خصوصيات تجربته الشعرية؟ المفترض أن يتحدّث في أموروأفكار وصفيّة عريضة، تنادي القرّاء، فيما يحاول الشاعر رسم ملامح التجربة. وعلى القارىءالناقد أن يخلق مفاتيحه بحسّه النقدي ونواياه الإبداعية لفتح الأبواب الداخلية للخزنةالشعرية، المليئة باللا وعي الإبداعي، التي لا يكتشفها الشاعر نفسه، وإن كان يعلم بالمعاني والأفكار الموضوعية والإنسانية المشتركة في نصوصه. ولا أدري ما علاقة هذا الكلام عن الخزنة الشعرية بتذكّري الآنَ كلاماً يُنسب إلى رولان بارت؛ يصف فيه الباحث عن جوهرالنصّ الأدبي ومعناه؛ كذاك الذي يقشّر بصلة متابعاً عملية تعريتها من طبقاتها وصولاًإلى لا شيء، بعد المعاناة التي تُصيب عينَيه.

ولأن الشيء بالشيء يُذكر، هناك قصة تُروى عن الإمام الشافعي تقول: إنه بينما كان في حجرته مشغولَ الذهن في حلّ مسائل فقهية،طلبت منه زوجته المنشغلة بإعداد الطعام أن يُحضر لها بصلة. فوعدها أن يخرج حالاً، لكنه نسي وغرق في حلّ مسائله. أعادت الزوجة عليه الطلب، فأجابها بأنه ذاهب الآن، غير أنه نسي مجدّداً. وهكذا، إلى أن غادر الحجرة وأحضر البصلة، وحين عاد ليكمل حلّ المسائل الفقهية؛ لم يستطع. عند ذلك قال: «من أجل بصلة ضيّعت ألفَ مسألة». ولكي يكون الأمرمناسباً للمقام الأدبي، نستبدل البصلة بالبوصلة. وعليه يمكن القول بأن طرقاً من الإجابات عن أسئلة الحوارات تضيع وتتوه في نفسها، ويُضيِّع بها المجيب ملامحَ الطريق بدلاً من أن يرسمها لقارىء متوسّط، على الأقل، إن لم يكن نخبوياً.

أهمّ محطات التيه هي موضوعة الحداثة الشعرية وأبرز علائمها: قصيدة النثر. مثلاً يصدمك هذا السؤال، في حوار مع أحد الأسماء، منشورفي أحد مواقع الإنترنت: «أرى أنك تحشد في قصائدك أشباحاً، لا بدّ أنك تجنّدها لمباغتةالعتمة في كهوف الحداثة العربية المتحوّلة، بالاقتراب من كتاب «الثابت والمتحوّل»...»،ثم تأتي بشائر إجابة الاسم على هذا النحو: «اسمح لي بأن أعتبر سؤالك غوصاً عميقاً يدلّ على إحاطتك بأبعاد الأزمة... في الحقيقة، يتماسّ السؤال مع «تفجير اللغة» وانفعاليةا لمسار الاعتباطي في خروج المعنى على عصمة الأشياء في حافة الألغاز ورحابة التفجير»!!

ولو قُيِّض لهذا الاسم المُجيب ناقدٌ من نقّاد هذه الأيام لقال له، بعد وجبة تصفيق هائلة في ضوء النيون: انظر إنك حتى وأنت تتحدّث في فنيّات قصيدة النثر تقترب من سأم بودلير فتكتب قصيدة نثر على شكل إجابة من حيث لا تدري.. هذا ما تحدّث عنه السورياليون. هذا بالضبط المقصود من الكتابة الآلية.إنّ سؤال صديقك المبدع المحاور المشوّق النبيل، على خفته الصحافية، قد فعل فيك ما تفعله الخمر في شاربها من تغييب للوعي بالأوزان!!

إذاً، وهكذا هي الأزمة ماهرة في خلط المفاهيم وضغطها، وتوظيفها على تلك الشاكلة من السندات الملاكة والجاهزة. أزمة ماهرة تفرز، حتماً،أساليب ولفظيّات غاية في الاستعراض اللغوي والتحذلق والادّعاء، ولعلّ مهارة أزمة كهذهت كمن في كون الماهرة تُضاعف من قيمة السخرية كشفاءٍ منها، بقدر ما تُضاعف الشفقة كشعوروكقيمة إنسانية غير متبوعة بنزعة نيتشويّة لسحق الضعفاء ورفع مقولة: البقاء للأقوى! إنما الدعاء لله بنصرة الضعيف بالموهبة.

ولا أخفي عليكم: إنني أطلقت ضحكة جنونية،وأنا أقرأ ما أوردتُه كشاهد من حوار!! وقفزت من ذاكرتي حكاية «السمكة والموهبة» التي قرأتها في مقالة منشورة في29 أيّار 1974، ضمن الجزء الأول من الأعمال النثرية لأحمد سليمان أحمد الذي هو أخ الشاعر الشهير بدوي الجبل. تقول الحكاية إن شاعراً سيءَ الطالع اصطاد سمكة ذهبية، فتوسَّلتْ إليه أن يردّها إلى البحر، ولكنّ الشاعرَ طلبَ منها، مقابل ذلك، شيئاً تعطيه إياه؛ فوعدته بأن كلّ رغباته ستتحقَّق. ووسط الفرحة العارمة لهذه البشرى أطلق الشاعر سراحَ السمكة، وذهبت في اليمّ سَرَباً. وما لبثت النجاحات أن أخذت تتوالى على الشاعر، فنشروا له دواوينه، وحصل على منزل في المدينة، وعلى بيت صيفيّ فيا لريف، وغدا شهيراً، بين يوم وآخر يُذكِّرنا بذاته الشاعرة خلال حوار، وقد أصبح عضواًمؤثِّراً في «اتحاد الكتّاب» ومن فرسان «بيت الشعر»، وحامل جوائز عديدة وسفريات متتالية،وكتب عنه أشدّ النقّاد نفاقاً. وما إن فاجأته زوجته بهذا السؤال: «لمَ لمْ تطلب إلى السمكة الذهبية أن تهبك بعضَ الموهبة؟»، حتى بدا كأنّ كلّ شيء استنارَ، فجأة، أمامه.فاندفع إلى البحر ونادى السمكة الذهبية: أيتها السمكة الصغيرة، هبيني ولو طرفاً قليلاً من الموهبة! وأجابت السمكة الذهبية: لقد أعطيتك كلّ شيء، وكل ما رغبتَ به، وكلّ ماترغبه في المستقبل أستطيع أن أهبكَ إياه، ما عدا الموهبة. فهذا ما لا أقدر عليه.

وهناك مفارقة تكشف لنا و نحن نقرأ في حوارات كثيرة لشعراء كثيرين؛ مفادها أن هذا الشاعر الذي وُفِّقَ، إلى حدّ ما، في إعطاء إجابات؛قد لا يكون، بالضرورة، شاعراً قوياً. هذا صحيح، فهناك ممن يحملون لقب شاعر يكونون موفوريالثقافة الأدبية، غير أنك إذا قرأت لهم شعراً يصدمك ضعفُ مستواهم، وليس أمامك، عندئذ،إلا تجسيد المفارقة بذكر أسماء الشعراء الضعفاء، على الأقل في الجلسة التي تجمعك، دونسابق وعد، بأصدقاء الحرف؛ إذا لم يكن نشْرُ نتائج قراءة هذه المفارقة متاحاً لك في إحدى الصحف المحلية أو العربية، على ألا يكون السبب وراء امتناعك عن ذلك بعضُ الحسابات الضيّقة المرجوّة من شاعر متنفّذ.

في المقابل، كنت قرأت إجابات لبعض شعراءرائعين حقاً وأكثرهم من الشباب دون الخامسة والثلاثين... ولقد أدركت من طريقة إجابةهذا البعض الواثق أنهم، فعلاً، يكتبون عن اللحظة الفكرية المختلفة، لتجاربهم الجديدة،بعيداً عن السندات الجاهزة سلفاً، المليئة بتسميات «شعراء الحداثة» العربية... وبدوا يكتبون لحظات شعرية خاصة وجديدة، داعمة ومعزّزة لأفكار أعمالهم الصادرة، في التوّ.وقد تكون مستقلّة وملائمة لإسباغها على عمل جديد، لاحقاً. وما رأيته، في بعض الإجابات،كان يقترب من الذائقة كلحظة شعرية تخرج من لحظة الإجابة ذاتها؛ هذا على الرغم من وعيي الآن ووعي الشاعر المسبق بأنه يقدّم إجابة عن سؤال صحافيّ. إذاً، هل يجوز لنا أن نستلّ قصيدة من حوارات مع شعراء في تجاربهم؟ نعم، ربّما استطعنا الابتهاج بقراءة قصيدة مستلّة لشاعر تحت تأثيرات الأسئلة الموجّهة إليه في خصوص التجربة. لكن لن يكون بمقدور هذاالشاعر أو ذاك الكتابة عن اللحظة الشعرية الجمالية الخاصة بالأعمال الصادرة للتوّ،إنهم يتحدّثون عن اللحظة الفكرية وحسب.

وعلى فرض استدعاء البرهة الشعرية النازلة هناك والإمساك بها هنا؛ فإن هذا، وعلى الرغم من استحالة الفرض، قد يخوّل الشاعر القيام بدوره كناقد جماليّ لذاته. وعند ذلك يتعطّل دور الناقد المنتظر، وإن حضر يقتصر دوره الخارجي على قيامه بالتلصص على شاعر يتحدّث كثيراً عن نفسه، وعن أدقّ خصوصيات جمالياتا لشعر والأفكار في العالم والأشياء.

 

*شاعر وناقد فلسطيني، من غزة ، يقيم ما بين النرويج والمغرب


( عن مجلة الغاوون )